العلامة المجلسي
384
بحار الأنوار
مهيبا في أنفس الناس ، مظفرا علي الأعداء ، وكان مع ذلك عظيم النهمة ( 1 ) في شهوات الدنيا ولذاتها وملاهيها ، مؤثرا لهواه ، مطيعا له ، وكان أحب الناس إليه وأنصحهم له في نفسه من زين له حاله وحسن رأيه ، وأبغض الناس إليه وأغشهم له في نفسه من أمره بغيرها وترك أمره فيها ، وكان قد أصاب الملك فيها في حداثة سنه وعنفوان شبابه وكان له رأي أصيل ولسان بليغ ومعرفة بتدبير الناس وضبطهم ، فعرف الناس ذلك منه فانقادوا له ، وخضع له كل صعب وذلول ، واجتمع له سكر الشباب وسكر السلطان ، والشهوة والعجب ، ثم قوي ذلك ما أصاب من الظفر على من ناصبه والقهر لأهل مملكته ، وانقياد الناس له ، فاستطال على الناس واحتقرهم ، ثم ازداد عجبا برأيه ونفسه لما مدحه الناس وزينوا أمره عنده ، فكان لا همة له إلا الدنيا وكانت الدنيا له مؤاتية لا يريد منها شيئا إلا ناله ، غير أنه كان مئناثا ( 2 ) لا يولد له ذكر ، وقد كان الدين فشا في أرضه قبل ملكه وكثر أهله ، فزين له الشيطان عداوة الدين وأهله وأضر بأهل الدين فأقصاهم مخافة على ملكه وقرب أهل الأوثان ، وصنع لهم أصناما من ذهب وفضة ، وفضلهم وشرفهم ، وسجد لأصنامهم . فلما رأى الناس ذلك منه سارعوا إلى عبادة الأوثان والاستخفاف بأهل الدين ثم إن الملك سأل يوما عن رجل من أهل بلاده كانت له منه منزلة حسنة ومكانة رفيعة وكان أراد أن يستعين به على بعض أموره ويحبوه ويكرمه ، فقيل له أيها الملك إنه قد خلع الدنيا وخلي منها ولحق بالنساك فثقل ذلك على الملك ، وشق عليه ، ثم إنه أرسل إليه فأوتي به ، فلما نظر إليه في زي النساك وتخشعهم
--> ( 1 ) النهمة - بفتح النون - بلوغ الهمة والشهوة في الشئ ويقال : لله في هذا الامر نهمة " أي شهوة . ( 2 ) المئناث : التي اعتادت أن تلد الإناث وكذلك الرجل لأنهما يستويان في مفعال . ويقابله المذكار وهي التي تلد الذكور كثيرا .